البداية كانت من جهاز راديوكاسيت
كان عمري حوالي ستة عشر عامًا عندما بدأت أشعر بأن التكنولوجيا ليست مجرد أجهزة نستخدمها ثم نضعها جانبًا.
في ذلك الوقت، كنت أحلم بالالتحاق بكلية الهندسة، وكنت أحاول أن أستكشف كل شيء من حولي. لم أكن أملك وقتها المصطلحات التي أستخدمها اليوم، ولم أكن أعرف إلى أين يمكن أن يقودني هذا الفضول، لكنني كنت أعرف شيئًا واحدًا:
كنت أريد أن أفهم.
كانت البداية مع جهاز راديوكاسيت National Panasonic 345.
كان جهازًا عاديًا في نظر أي شخص آخر، لكنه بالنسبة لي كان أشبه بنافذة صغيرة على عالم أكبر بكثير مما كنت أراه.
بدأت أجرّب وأكتشف، ولاحظت أن الجهاز يستطيع التقاط إشارات لم أكن أتوقع أن أسمعها، من بينها إشارات أجهزة الـ Walkie-Talkie وبعض إشارات الهواتف المنزلية اللاسلكية.
لم تكن أهمية التجربة بالنسبة لي في الإشارات نفسها، وإنما في الفكرة التي اكتشفتها من خلالها.
أدركت لأول مرة أن ما يحدث حولنا أكبر بكثير مما نراه بأعيننا.
هناك أشياء لا تظهر على الشاشة، ولا يمكن رؤيتها مباشرة، لكنها موجودة ويمكن التقاط آثارها وفهمها إذا عرفت أين تبحث.
ربما كانت هذه واحدة من أولى اللحظات التي بدأت فيها أرى التكنولوجيا بطريقة مختلفة.
لم تعد بالنسبة لي مجرد جهاز له أزرار ووظائف محددة.
أصبح لدي سؤال دائم:
ماذا يوجد خلف ما أراه؟
من الإلكترونيات إلى الهندسة
زاد اهتمامي بالإلكترونيات، وبدأت أتجه إليها بشكل أكثر جدية.
وقبل الالتحاق بكلية الهندسة، قضيت عامين في التدريب داخل مركز متخصص في صيانة الإلكترونيات. هناك بدأت أتعامل مع الأجهزة باعتبارها أنظمة يمكن فهمها وتشخيصها وإصلاحها، وليس مجرد أشياء تعمل أو تتعطل.
ثم حصلت على الثانوية العامة بتقدير 90.6%، والتحقت بكلية الهندسة – جامعة المنصورة.
درست الهندسة، وتوسعت معرفتي بالأنظمة والدوائر والبرمجيات، لكن المفارقة أن شغفي الأكبر بدأ يتجه تدريجيًا إلى الـ Software.
كنت مهتمًا بالبرمجيات والحاسب بقدر اهتمامي بالجانب الهندسي، وربما أكثر.
وبمرور الوقت أصبح لدي مزيج من الخبرات لم أكن أخطط له في البداية.
هاردوير.
إلكترونيات.
صيانة.
شبكات.
برمجيات.
وحاسب.
كل مجال منها كان يضيف طبقة جديدة إلى الطريقة التي أفهم بها التكنولوجيا.
ولم أكن أعرف وقتها أن هذا المزيج نفسه سيصبح بعد سنوات أحد الأسباب التي ستقودني إلى التحقيق الرقمي.
الخبرة التي لا تأتي من الكتب
بعد دراسة الهندسة، بدأت عام 2005 مشروعًا متخصصًا في صيانة أجهزة الكمبيوتر، واستمر حتى عام 2015.
عشر سنوات تقريبًا من التعامل المباشر مع الأجهزة والمشكلات والأعطال.
كنت أتعامل مع أجهزة حقيقية، وبيانات حقيقية، ومشكلات لا يوجد لها دائمًا حل جاهز في كتاب أو دليل.
وفي عام 2010 عملت في المملكة العربية السعودية لمدة عام في مجال صيانة الهاردوير والشبكات، وكانت تجربة أضافت لي جانبًا آخر من الخبرة العملية.
خلال هذه السنوات تعلمت شيئًا مهمًا جدًا:
الخبرة الحقيقية لا تأتي فقط من أن تعرف كيف يعمل الشيء، وإنما من أن تتعامل مع ما يحدث عندما لا يعمل كما ينبغي.
وهذه الفكرة ستصبح لاحقًا جزءًا أساسيًا من طريقة تفكيري في التحقيق الرقمي.
ثم جاءت صناعة المحتوى
في عام 2015 قررت أن أنتقل إلى عالم YouTube وصناعة المحتوى والمشروعات الرقمية.
أسست قناة Matrix219، وبدأت مرحلة مختلفة تمامًا من حياتي.
كنت أتعلم وأبحث وأجرب، ثم أحاول أن أحول ما تعلمته إلى محتوى يمكن للآخرين الاستفادة منه.
استمرت الرحلة في إنتاج المحتوى حتى عام 2019، ثم توقفت لأسباب شخصية لا علاقة لها بالعمل أو بالمحتوى نفسه.
بعد سنوات من التوقف، حاولت العودة مرة أخرى في عام 2023.
لكن العودة لم تكن سهلة كما تخيلت.
اكتشفت أن المشكلة لم تكن في الكاميرا أو الميكروفون أو المعدات.
كنت قد فقدت شيئًا من قدرتي على الوقوف أمام الكاميرا والتحدث كما كنت أفعل من قبل.
حاولت، لكنني لم أستطع في ذلك الوقت أن أستعيد الإيقاع الذي كنت أبحث عنه.
وكان ذلك أحد الأسباب التي دفعتني، بشكل غير مباشر، إلى طريق آخر.
عندما تحولت الخبرة إلى تحقيق
مع مرور الوقت، وجدت نفسي أقترب أكثر من عالم الأصول الرقمية.
منذ عام 2023، أصبح جزء كبير من عملي مرتبطًا بتأسيس وتأمين واستعادة وإدارة الأصول الرقمية.
كنت متاحًا لساعات طويلة، وفي أوقات كثيرة على مدار اليوم تقريبًا، لمساعدة أشخاص يواجهون مشكلات تتعلق بحساباتهم وأصولهم الرقمية.
ومع مرور السنوات، تعاملت مع عشرات، وربما مئات الحالات بدرجات مختلفة، وكان من بينها مشاهير ومؤثرون ومسؤولون ورواد أعمال ومؤسسات عربية.
كل حالة كانت تحمل معها مشكلة مختلفة.
- حساب فقد صاحبه الوصول إليه.
- أصل رقمي يحتاج إلى تأمين.
- هوية رقمية تحتاج إلى استعادة.
- مشكلات في الملكية أو الإدارة.
- آثار رقمية تحتاج إلى الفهم والتحليل.
ومع تكرار هذه الحالات، بدأت أرى شيئًا لم أكن أراه في البداية.
المشكلة لم تعد مجرد مشكلة تقنية.
خلف كل حساب شخص.
وخلف كل أصل رقمي سنوات من العمل.
وخلف بعض الحالات سمعة ومصدر دخل وعلاقات ومؤسسات، وأحيانًا جزء كبير من حياة صاحبها.
وهنا بدأ اهتمامي بالتحقيق الرقمي يأخذ شكلًا مختلفًا.
لم يعد الفضول القديم الذي بدأ مع جهاز الراديوكاسيت مجرد فضول.
بدأت أبحث عن الأدلة، وأحاول فهم ما حدث، وربط المعلومات والآثار الرقمية ببعضها للوصول إلى صورة أكثر وضوحًا.
لماذا التحقيق الرقمي تحديدًا؟
ربما لأنني وجدت فيه نقطة التقاء غريبة بين كل المراحل السابقة من حياتي.
الإلكترونيات أعطتني طريقة للتفكير في الأجهزة.
الهاردوير علمني كيف أفحص الأشياء من الداخل.
الشبكات جعلتني أفهم كيف تتحرك البيانات بين الأنظمة.
البرمجيات جعلتني أفهم ما يحدث خلف الواجهات التي يراها المستخدم.
وصناعة المحتوى علمتني كيف أبحث وأشرح وأوصل المعلومة.
ثم جاءت سنوات العمل مع الأصول الرقمية لتضع كل ذلك أمام مشكلات حقيقية.
فجأة أصبح لدي خليط من الخبرات يمكن استخدامه في فهم الأدلة والآثار الرقمية وتحليلها.
وهنا شعرت أنني لا أبدأ مجالًا جديدًا تمامًا.
كنت في الحقيقة أجمع أجزاءً متفرقة من رحلتي القديمة في مكان واحد.
الجانب الذي لم أتوقعه
لكن التحقيق الرقمي لم يؤثر فقط على طريقة عملي.
أثر أيضًا على حياتي الشخصية.
عندما تقضي سنوات في النظر إلى التفاصيل، ومحاولة فهم ما حدث فعلًا، والبحث عن الآثار التي يتركها الأشخاص والأنظمة خلفهم، تتغير طريقة نظرتك إلى العالم.
بدأت أفكر أكثر في البيانات التي نتركها خلفنا.
في الحسابات التي نمتلكها.
في الصور والرسائل والملفات.
في الأشياء التي نظن أننا حذفناها.
وفي مقدار ما يمكن أن تخبره التفاصيل الصغيرة عن حياتنا.
وأصبحت أكثر وعيًا بأن العالم الرقمي لم يعد مساحة منفصلة عن حياتنا.
هو جزء منها.
وأحيانًا يكون من أكثر الأجزاء تأثيرًا فيها.
من التحقيق إلى الدراسة
زاد هذا الاهتمام مع الوقت، وبدأت أفكر في استكمال الدراسات العليا في مجالات ترتبط بتأسيس وتأمين وإدارة الأصول الرقمية، وحقوق الملكية الفكرية والعلامات التجارية، وقضايا الابتزاز والاختراق الرقمي.
لكنني لم أتخذ حتى الآن خطوات جادة نحو الحصول على شهادة جامعية جديدة في هذا المجال.
ليس لأنني لا أرى قيمة الدراسة الأكاديمية، بالعكس.
لكن الدراسة الجامعية تحتاج إلى وقت ومال والتزام لا أستطيع توفيره بالشكل المناسب في هذه المرحلة من حياتي.
لذلك اتجهت إلى الدراسة الأكاديمية عن بعد، وإلى البحث الذاتي المنظم، بهدف أن أضيف أساسًا أكاديميًا إلى الخبرة العملية التي تراكمت لدي خلال السنوات الماضية.
أنا لا أريد أن أستبدل الخبرة بالدراسة.
أريد أن أجمع بين الاثنين.
وهنا عادت فكرة الكتابة
ربما تكون هذه هي الحلقة التي تربط كل شيء ببعضه.
منذ سنوات كنت أتعلم وأجرب وأعمل، ثم أصنع المحتوى وأشارك ما أتعلمه.
ثم توقفت.
ثم عدت إلى العمل في المجال الرقمي من زاوية مختلفة.
ثم وجدت نفسي مرة أخرى أمام كم هائل من التجارب والمعرفة التي لا أريد أن تظل حبيسة ذاكرتي أو ملفات العمل.
ومن هنا جاءت فكرة العودة إلى التدوين وصناعة المحتوى الرقمي.
ليس لأنني أعتقد أن لدي إجابات عن كل شيء.
بالعكس.
كلما تعلمت أكثر، أدركت كم الأشياء التي لا أعرفها.
لكنني أعتقد أن لدي ما يكفي من التجارب لأحكيها.
وما يكفي من الأخطاء لأتعلم منها.
وما يكفي من السنوات لأدرك أن بعض المعرفة تصبح أكثر قيمة عندما تنتقل إلى شخص آخر.
مشارف الخمسين
أنا الآن على مشارف الخمسين.
وعندما تنظر إلى هذه المرحلة من العمر، تبدأ في التفكير بطريقة مختلفة.
في سنوات سابقة كنت أفكر كثيرًا في المستقبل.
ماذا سأعمل؟
ماذا سأحقق؟
ما المشروع القادم؟
ما المهارة التي يجب أن أتعلمها؟
أما الآن فأصبح هناك سؤال آخر يظهر تدريجيًا:
ماذا سيبقى بعدي؟
لا أقصد الشهرة.
ولا أبحث عن أن يتذكرني الجميع.
لكنني لا أريد أن تمر كل هذه السنوات من التجارب والعمل والتعلم ثم تختفي معي.
أريد أن أترك أثرًا.
ربما يكون الأثر مقالة قرأها شخص واستفاد منها.
أو فيديو ساعد شخصًا على فهم مشكلة.
أو تجربة جعلت شخصًا يتجنب خطأ وقعت فيه أنا.
أو حتى قصة جعلت شخصًا يشعر أنه ليس وحده في تجربة مر بها.
لهذا عدت إلى الكتابة.
ولهذا عدت إلى صناعة المحتوى.
ولهذا أجد نفسي مهتمًا بالتحقيق الرقمي.
ليس لأنه مجرد تخصص تقني جديد بالنسبة لي، وإنما لأنه يمثل نقطة التقاء بين أشياء كثيرة عشتها وتعلمتها خلال سنوات طويلة.
وما زالت القصة مستمرة
عندما أتذكر جهاز الـ National Panasonic 345 وأنا في السادسة عشرة من عمري، وأتذكر كيف كنت أحاول أن أفهم الأصوات والإشارات التي تصل إلى أذني، أجد أن هناك خيطًا رفيعًا يربط تلك اللحظة بكل ما حدث بعدها.
كنت أريد أن أعرف ما الذي يوجد خلف الشيء الذي أراه.
وهذا السؤال لم يتغير كثيرًا.
تغيرت الأجهزة.
تغيرت التكنولوجيا.
تغيرت الأدوات.
وتغيرت حياتي نفسها.
لكن الفضول بقي.
واليوم، بدلًا من أن أكتفي بالبحث عن إجابة لنفسي، أريد أن أوثق ما أتعلمه وأشاركه مع الآخرين.
ربما يكون هذا هو الفصل الجديد في الرحلة.
وربما يكون مجرد فصل آخر من فصول كثيرة لم تُكتب بعد.
لكنني هذه المرة لا أريد أن أترك الفصول تمر دون أن أوثقها.
هذه التدوينة واحدة منها.